vendredi 1 juin 2012

جوهرة الحب الثمينة


حكمة لبنانية: كان رَجلٌ يمشي ليلاً نحو منزله مَارًّا قرب ساقية مياه، فشعر بالخوف. وإذا بِرَجُلٍ يَمُرّ بقُربه ويُعطيه كيسًا. فتّشَه فوَجَدَ فيه حجارة، فراح في كلّ دقيقة يرمي حجرًا لِيَسمَع صوت الماء. وحين وَصَلَ إلى منزله لم يكن قد بَقِيَ معه سوى حجر صغير، فأمسكه في الضوء لِيَراه، فَوَجَدَه جوهرة ثمينة، فاكتشف أنّه خلال مسيرته قد رمى جواهر كثيرة، ففكّر أنْ يَرمِي الأخيرة، لكنّه رأى من الأفضل الإستفادة ممّا بَقِيَ معه.
العبرة:
كَمْ من المرّات نَرمي جواهر ثمينة يُنعم بها الله علينا، من دون أنْ نَدري، ولكن رغم كلّ ذلك تبقى معنا جوهرةٌ ثمينة ألا وهي المحبّة التي يزرعها الله في قلوبنا. فلنتمسّك بها ونُحافِظ عليها لأنّها هي الباب لإسترجاع كلّ الجواهر الثمينة.
الخوري حنا عبود: نقلا عن موقع رعيّة إهدن- زغرتا

jeudi 3 mai 2012

الثقافة العربية والعطب الكلامي: اللسان الأسير


الثقافة العربية والعطب الكلاميّ: اللسان الأسير

في أحداث 8 و9 أفريل 1938 بتونس وقعت مواجهة بين الجماهير الشعبية التونسية المطالبة ببرلمان تونسي وحق الشعب في تقرير مصيره بنفسه، وبين القوات الاستعمارية الفرنسية، وقد أسفرت تلك المواجهة كما هو معلوم عن خسائر بشرية كبيرة في صفوف التونسيين بين شهداء وجرحى، كما خلفت صدمة نفسية كبيرة كان لها الوقع الثقيل في نفوس الناس. ويفيدنا معظم مؤرخي الحركة الوطنية التونسية بأنّ الفترة التي تلت تلك الحوادث الأليمة تميزت بالصمت والوجوم والترقب لما ستؤول إليه الأوضاع بعد كل الفظاعة التي حصلت، خاصة إذا علمنا أن معظم قيادات الحركة الوطنية بمن فيهم بورقيبة قد سجنوا، وأنه قد دخلت الحركة في مرحلة العمل السرّيّ[1]، ثم إنّ العالم في تلك الفترة بدأت تتحول أنظاره إلى الحرب العالمية الثانية التي ستندلع في 1939 وما ستحمله من ويلات وتخبّئه من مفاجآت.
شخصية الحبيب بورقيبة المعروفة لدى القاصي والداني بحكمتها ورصانتها في التعامل مع الظواهر السياسية لا سيّما إذا كانت بالغة الخطورة كالحرب العالمية الثانية، آثرت الالتزام بذلك الصمت المذكور داعية إلى التروّي وعدم الانسياق وراء الدعوات المتكررة من هنا وهناك لمساندة قوات المحور أو المعسكر الألماني وعدم الاغترار بمقولة: "عدو عدوّي صديقي" في إشارة إلى العدو الفرنسي المستعمِر. فقد دعا بورقيبة من سجنه إلى انتظار ما ستسفر عنه الأحداث رغم يقينه شبه المؤكد بالأسطورة الألمانية النازية وبأنها ظاهرة كلامية لا يمكن أن تدوم ولا يمكن أن تفعل شيئا مع الأيام، بل إنّ الوقوف إلى جانب الحلفاء بمن فيهم فرنسا المستعمرة، هو الذي سيكون حتما خلاصَنا من خطر قادم وسلاحنا الذي سنفاوض به فرنسا في ما بعد حول الدستور والاستقلال.
ما جعلني أتذكر "حكمة الصمت البورقيبي" بعد أحداث 8 و9 أفريل 1938 وأثناء الحرب العالمية الثانية هو ما قرأته يوم الأحد 15 أفريل 2012 في جريدة "المغرب" التونسية وبالتحديد في الصفحة الخاصة بالأرشيف، "في مثل هذا اليوم من سنة 1957" التي يشرف عليها السيد عبد الكريم قابوس، ففي سياق الاحتفال بذكرى الشهداء، أي في أفريل 1957، خطب الحبيب بورقيبة في الناس موجها رسائل كلامية للشعب متعلقة بضرورة تذكر شهداء تونس دائما وبالعلاقات المغربية الليبية وبأجور أرباب الشعائر الدينية، ثم ختم الصحفي تحقيقه قائلا: "وختم الرئيس بورقيبة حديثه بالتعبير عن حاجته الملحّة لبعض أيام من الراحة والاستجمام، نحو عشرة أو اثني عشر يوما سيقضيها بجبال إيطاليا نظرا للأتعاب التي يحس بها خصوصا تعب حلْقِه، وقد نصحه الأطباء بالكف عن الكلام، وسيعود إلى تونس يوم 26 رمضان ليحضر أختام ليلة رمضان بجامع الزيتونة المعمور."
إنّ الفرق الوحيد، ربما، بين الصمت البورقيبي في مرحلة ما بعد أحداث أفريل 1938 وبين صمته في مرحلة ما بعد الاحتفال بتلك الحادثة بعيد الاستقلال (سنة 1957) هو أنّ الصمت الأول ناتج عن حكمة وتبصر وحس سياسي مرهف جعله يتفطن إلى الموقف الأمثل الذي يجدر اتخاذه في ذلك الظرف بالذات، أمّا الصمت الثاني فهو "صمت اضطراريّ" أملاه عليه أطباؤه بعد أن ثبت أنّ حنجرته لم تعد تتحمل كلاما أكثر من الكلام الذي تحملته قبل ذلك، فمهما بلغت طاقة بورقيبة الخطابية من قوة وبأس، ومهما كان حرصه على التوجيه السياسي والإقناع منذ عودته من فرنسا إلى تونس وخوضه غمار السياسة وقيادة الحركة الوطنية، فإنّ لحنجرته حدودا معلومة لا تقوى على تجاوزها ولحباله الصوتية قدرا من الصلابة والمتانة لا مجال لتخطّيه، تلك هي الاعتبارات الفيزيولوجية التي قرر بورقيبة في الأخير أن يستجيب لها صاغرا مستسلما.
لكنْ بين "الصمت الاختياري" و"الصمت الاضطراري" بون شاسع: الأوّل كان مبينا عن حكمة بورقيبية توصل إليها عن قناعة وإدراك، أما الثاني فكان قرارا اختاره غيرُه أو اختاره له القدَرُ فلا قدرة له على العصيان والتمرد. إذن فالصمت الاختياري هنا هو "الامتناع المقصود عن الكلام مع القدرة عليه" (وهو البديل الطبيعي عن الثرثرة أو اللغو)، أمّا الصمت الاضطراري فهو "الامتناع غير المقصود عن الكلام مع الرغبة فيه". في الأوّل نجد حكمة بورقيبة السياسية، وفي الثاني لا نجد في الحقيقة سوى حكمة الأطباء (وربما القدر).
بالطبع، يصعب على السياسيين جميعا، لا سيما إذا كانوا من ذوي الثقافة العربية، أن يستسلموا بسهولة لعطب طارئ يصيب حناجرهم، والحضارة العربية كما نعلم قائمة على المشافهة، حيث تتنزّل الخطابة والأشعار فيها منزلة رفيعة ترتقي بها إلى مؤسسة  في حد ذاتها لا غنًى عنها في عملية التواصل الاجتماعي والسياسي ألا وهي مؤسسة البيان. إنّ هذه العملية الخطابية القائمة على المشافهة باعتبارها قناةً اتصاليّة تدخل في إطار عملية التسلّح عامة، تسلّح السياسي بآلية الخطاب والكلام، أو بالاستراتيجية اللسانية، قصد تحقيق غايات ومكاسب وانتصارات ذات طابع سياسي. فاللسان إذن في ثقافتنا العربية هو مفتاح الانتصار أو هو آلية إلى جانب بقية الآليات العسكرية الممكنة لخوض الحروب الدفاعية  أو حروب اكتساح الأقاليم، ومن أجل ذلك أسند العرب القدامى الوظيفة الدفاعية إلى الخطباء والشعراء واعتبروا الشاعرَ لسانَ حال القبيلة والذائدَ عنها أمام بقية القبائل، والقبيلة التي ليس لها شاعر يذود عنها هي قبيلة تشكو من "فقدان اللسان" أو "فقدان الحنجرة" وما يعنيه ذلك من "ضعف دفاعي" يؤدي إلى "وهن سلطوي" يمكن أن يجرَّها إلى المهالك.
إنّ أيَّ شكل من أشكال "الخَرَس اللساني" باعتباره "صمتا اضطراريّا" ينتج عنه ضرورة "خرَس سياسي أو سلطوي": أي "الامتناع غير المقصود عن السلطة مع الرغبة فيها". وتجدر الملاحظة هنا أنّ المعاجم العربية لا تسعفنا في إيجاد دالٍّ مناسب للمدلول الذي أريد الوصولَ إليه وهو: "امتناع الكلام لعارض أو حادث طرأ على الوظائف الفيزيولوجية" بل إنّ هذه المعاجم لا تفرّق مثلا بشكل حاسم بين البَكَم والخَرَس، فلا نجد تقريبا سوى الأزهريّ الذي يفرّق بين الأبكم والأخرس قائلا: "الأخرسُ الذي وُلد ولا نطقَ له، والأبكمُ للسانه نطقٌ وهو لا يعقل الجواب ولا يحسن وجهَ الكلام" ولكنّ هذين التعريفين لا يعبّران تماما عمّا نبتغي الوصولَ إليه[2]، ولذلك خيّرنا مصطلح "الخرَس" باعتبار أنّ معنى الاضطرارية فيه أوضح وأقوى دلالة.
وينبهنا J- Chevalier  مع زميله A- Gheerbrant لمسألة الفرق بين الصمت: Silence والخَرَس: Mutisme  في معجمهما الخاص بالرموز، حيث أن الصمت في معظم ثقافات العالم هو انفتاح الإنسان على الكشف وانجلاء الحقائق، في حين أنّ الخَرَس هو إغلاق هذا الكشف إمّا برفض تقبّله أو نقله وإمّا عقابا على سوء استخدامه[3]. ولنا في ثقافتنا العربية الإسلامية أمثلة واضحة من النص القرآني على هذا: "صُمٌّ بُكمٌ عُمْيٌ فهُمْ لا يَرجِعون" (البقرة: 18) أو "وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ" (البقرة: 171) والجاحظ في كتاب "البيان والتبيين" ينتصر لأهل البيان وفصاحة اللسان ويتعوّذ بالله من "العيِّ والحصَر" أي فقدان الإبانة عما يخالج النفسَ وانعقاد اللسان عن المراد[4]، وفي الوقت ذاته يدافع عن الصمت ويخصص له بابا كاملا من الكتاب ويعتبره سبب سلامة الإنسان[5].
"فقدان اللسان" أو "فقدان الحنجرة" عند بورقيبة إذن هو فقدان لسلاح هام من جملة الأسلحة التي ينبغي التزوّد بها، لأنّ الإنسان الفاقد للنطق والكلام هو بمثابة "الأعزل" المتجرد من سلاحه فيسهل بذلك الانتصار عليه في المعارك والحروب، ويكون الانتصار طبعا بطريقتيْن: إما بالقتل أو بالأسْر. ففقدان القدرة على الكلام يصبح بالتالي فقدانا للحياة أو فقدانا للحرية، ولا ننسى أيضا أنه فقدان للسلطة.
في الأدب العربي القديم لدينا أمثلة عديدة على الترابط المتين بين سلطان السياسة وسلطان البيان ممثلا أساسا في اللسان: والمثال الذي أراه أكثر مناسبةً هنا هو ما جرى لعبد يغوث الحارثي الشاعر الجاهلي الذي تجمع الروايات على أنه كان سيدا في قومه فارسا يشار إليه بالبنان، خاض حروبا ومعارك يدافع فيها عن قبيلته (بني الحارث بن كعب) خاصةً وعن تحالف مجموعات القبائل اليمانية التي خاضت حربها على قبائل تميم المضرية وانهزمت فيها، وهو اليوم المعروف في التاريخ بيوم الكُلاب الثاني. وكان من نتائج هزيمة التحالف اليماني وقوع عبد يغوث في أسر بني تيْم من الرِّباب (وهي من بطون تميم) . والطريف في الحكاية أنّ الأطراف المنتصِرة والآسِرة قاموا بربط لسانه بنِسعةٍ (سير من جلد) حتى لا يهجُوَهم كما تقول المصادر، أي أنّهم أرادوا في النهاية سلبَه حرّيته (الأسر) وسلبه ملكته اللسانية (ربط اللسان) وبالتالي سلبَه السيادة والقوة والسلطان الذي كان له على قومه، ولكن، في النهاية قرر هؤلاء أن يلبّوا له طلبه بفك القيد عن لسانه وبقتله "قِتْلةً كريمةً" وذلك بأن يسقوه خمرا ويقطعوا له عرقا في يده ويتركوه يشرب وينزف ويقول الشعرَ إلى أن يموت. وكانت نتيجة هذا النزيف الدموي والشعري معا، إلى جانب الموت بالطبع، هي القصيدة التي رواها لنا الأصفهاني في الأغاني كاملةً ونذكر منها هذا البيت الذي يهمّنا:
أَقُول وَقَدْ شَدّوا لِسَانِي بنسعة:
 أمعشرَ تيْمٍ أَطْلِقُوا عَنْ لِسَانِيا[6]

التشابه الذي يمكن أن نجده بين الحالتين اللتين وقع فيهما الصمت البورقيبي، فكلاهما كان في مرحلة انتقالية: الأولى انتقال من فترة ما قبل الحرب إلى فترة ما بعد الحرب وما يصحبه من تغيير في موازين القوى العالمية وبالتالي في تجديد آليات الكفاح الوطني والعمل السياسي. والثانية انتقال من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال وما يقتضيه ذلك من توجيه العمل الوطني نحو بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها. كما يوجد تشابه آخر بين الحالتين أيضا: هو وجود فكرة "الاغتراب" (سجن بورقيبة في الحالة الأولى- هجرته إلى جبال إيطاليا في الحالة الثانية- ويمكن إضافة الأسْر أيضا في حالة عبد يغوث الحارثي).
نعود إلى الأدب العربي القديم، وبالتحديد إلى كتاب كليلة ودمنة لصاحبه أو مترجمه عبد الله بن المقفع. الحكاية المثلية التي سننطلق منها معروفة وهي حكاية السلحفاة والبطتيْن: كانت بينهن صداقة وكان هناك غدير قريب منهن، فلما جفّ الغدير قررت البطتان الانتقال وحمل السلحفاة معهما وذلك بالأخذ بطرفيْ عود بمنقاريهما وتقبض السلحفاة بفمها على وسطه ويطيران بها إلى غدير آخرَ بعيد، وأوصتاها بعدم النطق. لكنّ السلحفاة لم تعجبها ملاحظات الناس المتعجبين من طيرانها فنطقت لتسُبَّهم فوقعت وماتت.[7]
سبق للأستاذ عادل خضر أن قام بتحليل هذه الحكاية في كتابه: "في الصورة والوجه والكلمة" تحت عنوان: "السلحفاة التي تطير أو الثالث المرفوع" وتوصل في نهاية الأمر إلى أنّ محاولة الالتحام بين الأرضي والسماوي لا يمكن أن تكون عبر اللغة، أو بلغة أخرى لا يمكن أن نتكلم ونحن نطير في السماء لأنّ الكلام في السماء هو "شوق العودة إلى الأرض"، فليس هناك كلام في السماء، وكل الذين طاروا لم يتكلموا هناك[8].
لكنّ التحليل الذي نتبناه في مقامنا هذا مختلف بعض الشيء عن تحليل الأستاذ عادل خضر، وننطلق هنا من ملاحظة التشابه بين حالة السلحفاة مع البطتين وبين الحالتيْن البورقيبيتين: الصمت الاختياري (1938) والصمت الاضطراري (1957)، وأوجه الشبه هي التالية: أولا كل هذه الحالات هي مراحل انتقالية مثل مرحلة "الانتقال الديمقراطي" التي نعيش فيها الآن: انتقال من مرحلة ما قبل الحرب إلى ما بعد الحرب- انتقال من الاستعمار إلى الاستقلال وبناء الدولة الوطنية- الانتقال من مكان جاف إلى مكان فيه ماء وحياة. ثانيا كل هذه الحالات السابقة تشترك في مبادئ جامعة تدور جميعها في فلك "الهجرة" و"المنفى" و"الاغتراب". ثالثا لا يمكن أن ننتقلَ من مرحلة إلى أخرى ونحن نتكلّم، خاصة إذا كانت المرحلة حساسةً ومصيرية، فإمّا الصمت وسلاسة الانتقال (حرية- حياة- نمو- حكمة- نجاح...) وإمّا الكلام والبقاء في نفس المكان (أسر- موت- سقوط- عجز- ثرثرة- فشل- ضعف...).
-         استدراك أول: الجاحظ لم يدم دفاعه عن الصمت كثيرا في البيان والتبيين، ففي نفس الباب (باب الصمت) يتراجع عن جدوى الصمت ويعود إلى الدفاع عن البيان بالكلام واللسان فيتساءل قائلا: "وكيف يكون الصمتُ أنفعَ والإيثارُ له أفضلَ، ونفعُه لا يكادُ يُجاوز رأسَ صاحبه؟"[9]
-         استدراك ثانٍ: في الأعداد الموالية لجريدة المغرب، وفي صفحة الأرشيف دائما، قرأنا في أخبار أفريل 1957 أن السيد الباهي الأدغم والسيد أحمد التليلي قررا ألا يتركا بورقيبة وحيدا في جبال إيطاليا، وآثرا الالتحاق به هناك، وقد استقبلهما في المطار في إيطاليا، وبذلك يكون بورقيبة قد انتهك الوعد الذي قطعه لنفسه وخالف نصيحة الأطباء بلزوم الصمت والامتناع عن الكلام.
تلك هي النتيجة التي توصلت إليها في النهاية: الجميع تراجع عن صمته وقرر في النهاية أن يتكلمَ مهما كلفه ذلك من سجن أو أسر أو فشل أو ثرثرة أو موت... بورقيبة في سجنه الفرنسي وبورقيبة في منفاه الإيطالي وعبد يغوث الحارثي في سجن بني تميم والجاحظ في بيانه وتبيينه وسلحفاة ابن المقفع في سمائها مع البطتين: كلهم صرخوا بصوت واحد: "لا نريد الصمت، نريد أن نتكلم، كلّفنا ذلك ما كلّفنا".
أمعشرَ تيْمٍ أطلقوا عن لسانيا.
مزار بن حسن
hmazar2001@yahoo.fr
جريدة القدس العربي: 03ـ 05ـ 2012
http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=data\2012\05\05-02\02qpt898.htm

[1]  محمد الهادي الشريف: تاريخ تونس من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال، تعريب: محمد الشاوش ومحمد عجينة، تونس 2001 دار سراس للنشر، ص 124- 125.
[2]  لسان العرب مادة: (خرس)
[3] Dictionnaire des symboles, Paris 1982, p883.
[4]  أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق وشرح حسن السندوبي، تصحيح وتنقيح مصطفى القصاص، بيروت 1993، دار إحياء العلوم، مج 1، ج 1، ص 17.
[5]  الجاحظ : المرجع نفسه: مج 1، ج1، ص 191.
[6]  كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: طبعة دار الكتب المصرية القاهرة: ج15 ص71. أو طبعة دار الفكر بيروت: ج16 ص 360.
[7]  كليلة ودمنة: بيدبا الفيلسوف الهندي، ترجمة عبد الله بن المقفع، تونس 1989، دار القدس للنشر ص124- 125.
[8]  عادل خضر: في الصورة والوجه والكلمة، تونس فيفري 2008 دار ميسكيلياني للنشر والتوزيع، ص159.
[9]  الجاحظ: المرجع نفسه، مج1، ج1 ص262.

lundi 27 février 2012

الإنسان محتاج إلى إعادة ترتيب بيته: الفوضى الإيديولوجية


فوضى مفهومية: الليبرالي تحول إلى جيفارا يدافع عن حقوق المستضعفين في الأرض. الملحد تحول إلى رسول سلام يفتي في الوسطية الإسلامية وحركات التصحيح الديني. الإسلامي تحول إلى شريك في مشروع الشرق الأوسط الكبير وتلميذ نجيب لأساتذة الصهيونية العالمية. الشيوعي اليساري تحول إلى متشيع فارسي يساند المحور الإيراني ورأس المال الصيني والروسي بالمطرقة والمنجل

إنها لفوضى حتى النصر.

Forest Love

lundi 30 janvier 2012

vendredi 6 janvier 2012

حتى لا ننسى: نكبة عائلة الداية: 6 جانفي 2009


PCHR

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان


"لم يتم العثور على جثث تسعة من القتلى، بمن فيهم زوجتي وأطفالي. لقد بذلت قصارى جهدي بمساعدة طواقم الدفاع المدني للعثور على جثثهم، ولكننا لم نجد سوى قطعاً من اللحم كان من الصعب التعرف عليها"


في حوالي الساعة 05:45 صباحاً بتاريخ 6 يناير 2009، قامت طائرات الاحتلال الإسرائيلي بقصف منزل عائلة الداية في حي الزيتون بمدينة غزة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، من بينهم 12 طفلاً وامرأة حامل. لم ينجُ من هذا الاعتداء ممن كانوا داخل المنزل سوى عامر الداية، 31 عاماً. فضلاً عن ذلك، نجا معه من عائلة الداية شقيقاه اللذان لم يكونا قد عادا إلى المنزل من صلاة الفجر في مسجد قريب، وشقيقتاه اللتان تعيشان مع زوجيهما وأطفالهما.

يسترجع محمد الداية، 31 عاماً، ما حدث في يوم الهجوم فيقول: "بعد أن انتهيت من الصلاة، وقفت بالقرب من المسجد أتحدث مع جارنا، بانتظار أن تهدأ أصوات الطائرات الحربية والقصف في المنطقة. ثم سمعت صوت انفجار قوي، وتناثرت الشظايا في المكان الذي كنت أقف فيه. أسرعت إلى المنزل، وعندما وصلت وجدت كومة من الأنقاض. بدأت أصرخ وأنادي على أفراد عائلتي، ولكنني لم أسمع رداً من أحد. كانوا جميعاً تحت الأنقاض. قتلى."

لم يتمكن محمد من دفن زوجته تذال، 28 عاماً، وبناته: أماني، 6 أعوام؛ وقمر، 5 أعوام؛ وأريج، 3 أعوام، وابنه يوسف، عامين. يقول محمد: "لم يتم العثور على جثث تسعة من القتلى، بمن فيهم زوجتي وأطفالي. لقد بذلت قصارى جهدي بمساعدة طواقم الدفاع المدني للعثور على جثثهم، ولكننا لم نجد سوى قطعاً من اللحم كان من الصعب التعرف عليها." كانت تذال حاملاً بصبي في الشهر الثامن عندما قتلت.

"لا يمكنني في هذه اللحظة أن أتصور بأنني سأكون سعيداً مرة أخرى، أو أن أحتفل بأية مناسبة سعيدة، فكل ذلك يذكرني بحياتي مع عائلتي، يقول محمد. "كنت أذهب إلى الكثير من الحفلات، وكنت أؤدي الدبكة دوماً مع أفراد عائلتي الممتدة في حي الزيتون، حيث كنت أنا من يقودهم في الدبكة. كنا نحتفل كلما سنحت لنا الفرصة. أما الآن، فلا أطيق سماع الأغاني في الاحتفالات، فهذا الأمر يجعلني حزيناً جداً. عندما تكون هنالك حفلة في الحي، أغادر المنزل وأذهب إلى مكان آخر،" يضيف محمد. الأعياد هي أصعب الأوقات التي تمر على محمد خلال العام: "أعاني كثيراً خلال شهر رمضان والأعياد، وأفكر فيهم أكثر من المعتاد."

دفع عامر أخاه محمد إلى أن يتزوج مرة أخرى. "في البداية، لم أرغب في ذلك، ولكني كنت وحيداً وكان لابد أن أبدأ حياة جديدة،" يقول محمد. الآن، محمد متزوج ولديه طفلتان: أماني، 4 أشهر؛ وقمر، عام ونصف، وقد اختار محمد اسميهما تيمناً بابنتيه اللتين قتلتا في الاعتداء. "لم أقم حفل زفاف عندما تزوجت للمرة الثانية، وكذلك فعل إخوتي في زفافهم. ببساطة، نحن لا نشعر بالفرحة لأي مناسبة في حياتنا،" يضيف محمد.

يعمل محمد كهربائياً في وزارة الصحة، ولكنه يواجه صعوبات في عمله منذ أن فقد عائلته. "لم أعد قادراً على النوم ليلاً، فعندما يحل الظلام يبدأ الجزء الأصعب من اليوم بالنسبة لي لأنني لا أستطيع النوم. لقد جربت كل شيء حتى الأدوية، ولكنها كانت تجعلني أشعر بالدوار. لذلك، أبقى مستيقظاً طوال الليل وأبقي نفسي منشغلاً بالأكل أو المشي أو الجلوس في المقبرة أو الجري. أخلد للنوم لبضعة ساعات فقط بعد شروق الشمس وأنا مرهق. وهكذا، كيف لي أن أذهب إلى العمل في الوقت المحدد؟ لا يمكنني ذلك. لقد وجه لي مسئولي في العمل 10 إنذارات حتى الآن، ولكنني في نفس الوقت أعلم أنه يتفهم وضعي ويتعاطف معي،" يستطرد محمد.

قام الأخوة الثلاثة ببناء منزل في نفس موقع المنزل القديم، حيث أصر ثلاثتهم على العودة إلى نفس المكان. "إنه المكان الذي تربينا فيه،" يقول محمد. "ساعدتنا وزارة الأشغال في بناء القواعد والطابق الأول من المنزل، إلا أن القصف الذي طال المنزل السابق قد خلف حفرة كبيرة بعمق سبعة أمتار تحت المنزل، ما تسبب في إحداث أضرار في الأساسات والمياه الجوفية. استغرقت حل مشكلة المياه ثلاثة أشهر قبل أن نتمكن من البدء في بناء المنزل الجديد،" يضيف محمد. مع ذلك، لا يزال محمد يلاحظ وجود مشاكل في أساسات البناء، فيوضح: "عند حدوث أي قصف، أشعر بالمنزل يهتز. لم يكن الأمر كذلك سابقاً، فالمنزل ليس ثابتاً، ودمر القصف القواعد."

بينما يحاول محمد أن يبدأ حياة جديدة ويبني مستقبلاً جديداً، فإنه لا يعقد آمالاً بشأن ملاحقة أولئك المسئولين عن مقتل عائلته. "لا أتوقع شيئاً من المحاكم الإسرائيلية، فهم [الإسرائيليون] يعدون الخطط والمبررات مسبقاً، ومن ثم ينفذون الهجوم. إن جرائم الحرب مبررة قبل أن ترتكب حتى، وبالتالي فإنها قد تتكرر في أي وقت."

تقدم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بشكوى جنائية إلى السلطات الإسرائيلية نيابة عن عائلة الداية بتاريخ 18 مايو 2009، ولكنه لم يتلقَ أي رد حتى الآن.